يعنى المشروع بدراسة الوثائـق الشرعية المدوّنة باللغة العربية، المنشورة منها وغير المنشورة، في إطار منظور مقارن جديد. كانت هذه الوثائـق، التي هي بمثابة شواهد مباشرة للممارسة الشرعية، وسيلة لضمان الحقوق الشخصية للذين نسخت لأجلهم. ومع ذلك فمعظم الدراسات حول الممارسة الشرعية الإسلامية الأولى ركزت جهودها على المصادر الفقهية (كتب الشروط، كتب المسائل والفتاوى، كتب الفقه وشروحه) مهملة ً الوثائـق الشرعية أساساً لسببين. أولهما راجع إلى استعصاء رسم الكتابة على القراءة، واللغة التقنية على الفهم في هذه الوثائـق، وثانيُهما مرتبطٌ بالأصول المختلفة التي ترجع إليها المجموعات القائمة، مما حال حتى الآن دون دراسةٍ إجمالية. وعلى العكس من ذلك، فالتركيز في هذا المشروع منقلب رأسا على عقب من خلال منظور تاريخي جديد.
فبفضل قاعدة معطيات مبتكرة من النص الكامل (CALD) التي تحلل الوثائـق عبر العناصر الوظيفية وأنماط التسلسل، يكشف المشروع عن التغيُّرات المتعلقة بالبنية والشروط الفقهية، في العديد من الوثائـق، وذلك بقدر وافر من التفصيل ومن جوانبَ متعددة. حتى لو أثبتت دراسات بعض العينات، من مختلف المناطق، مطابقة هذه الوثائـق مع الفقه الإسلامي بشكل عام، فقد اتَّضح للمرة الأولى من تحليلنا لمجموعة وثائـق القدس الراجعة للقرن الرابع عشر، أن توثيـق العقود الخاص (في ما يهم المعاملات الشرعية) ووثائـق المحاكم (فضلا عن العناصر القضائية) كانت مستعملة، بطريقة تكميلية، وفقا لقواعد القانون الإجرائي المعقدة. لذلك فمشروع CALDــ قاعدة معطيات يسهل مقارنة وقراءة الوثائـق الشرعية. وسيلجأ فريق البحث إلى هذه المنهجية في تعامله مع ثلاث مجموعات، قلّـت عناية الدارسين بها، من وثائـق الأندلس ومصر وفلسطين المدونة ما بين القرن الثالث عشر والقرن الخامس عشر لمقارنتها مع المجموعة المنشورة من وثائـق آسيا الوسطى وإيران والشام ومصر والأندلس التي يرجع تاريخها إلى فترة ما بين القرنين الثامن والخامس عشر الميلادييـن. ومن ثمة فهذا النهج يتوخى أولا : تطوير نوعية الوثائـق ومكوناتها، ثانيا : المقارنة بين الممارسات التوثيـقية باعتبارها تطبيقا للفقه الإسلامي الذي تكفله المؤسسات القضائية مما يجعل، ثالثا، فقه الإسلام في مرحلة ما قبل الحداثة نظام مرجعية موحدة.